" رحلتي مع النشاط الطلابي: حكاية شغفٍ وصناعة أثر ماذا لو كانت فكرةٌ واحدة، وُلدت بصمت، قادرة على أن تعيد تشكيل رحلتك الجامعية بالكامل؟🌟 كنتُ إنسانةً فاعلةً ومؤثرة حتى قبل دخولي الجامعة، أحمل في داخلي شغف المبادرة وصناعة الفرق. وعندما وطأت قدماي الحرم الجامعي، كنت على يقين أنني سأجد المساحة التي أُبدع فيها وأبتكر. لكن، وعلى عكس توقعاتي، لم تكن تلك المساحة واضحة أو متاحة كما ظننت. منذ الأسبوع الأول، بدأت رحلة البحث. تساؤلات لا تنتهي: أين يمكن أن أضع أفكاري؟ أين أجد بيئة تحتضن طموحي؟ حتى جاء الأسبوع الثالث، ومعه رسالة بريدية غيّرت مجرى رحلتي. إعلان عن الانضمام إلى البودكاست الجامعي. دون تردد، تقدّمت، مدفوعةً بفضولٍ كبير وأملٍ أكبر… وبالفعل، وجدت ما كنت أبحث عنه. كان البودكاست نقطة الانطلاقة الحقيقية، ليس لي فقط، بل للنشاط الطلابي بأكمله. من خلاله، تحققت إحدى أولى الإنجازات التي نُسبت للنشاط، وتم ترشيحه في ملتقيات الأنشطة الطلابية. وهناك، لم أجد منصة للإبداع فحسب، بل وجدت أشخاصًا استثنائيين، من بينهم صديقة عزيزة لا تزال مكانتها في قلبي حتى اليوم. توالت بعدها المحطات؛ حلقات، مشاريع، برامج، أندية… معظمها كان عن بُعد بحكم جائحة كورونا، لكن الشغف لم يكن يومًا عن بُعد. حتى وصلنا إلى تجربة فارقة: إنشاء أول هاكثون من نوعه في الجامعة. انضممتُ كمنظمة، وأنا أحمل حماسة التجربة، خاصة وأن لي تجربة سابقة في الهاكثونات. كانت تجربة مختلفة، مليئة بالتحديات، لكنها منحتني الكثير: مهارات، خبرات، ونضجًا لم أكن أتوقعه. خرجتُ منها وأنا أحمل اسمًا بدأ يلمع في سماء النشاط الطلابي. ومع إعادة هيكلة العمادة، طُرح اسمي لقيادة أحد الأقسام، والذي كان يُعرف آنذاك بـ"قسم التخطيط". ومنذ تلك اللحظة، أصبح هذا الاسم جزءًا مني. كان قسم التخطيط انطلاقتي الحقيقية؛ شاركت، نظّمت، أنجزت… حتى وصلت إلى نقطة لم أتخيلها يومًا: التوقف عن النشاط الطلابي. كيف؟ ولماذا؟ أسئلة كثيرة، لكن الإجابة كانت واضحة: ضريبة الشغف بتخصصي، الطب والجراحة. ابتعدت لفترة. أعدت ترتيب ذاتي، راجعت قراراتي، واستعدت ذكرياتي؛ أول حلقة في البودكاست، أول برنامج اقترحته، أول اجتماع مع العميد… ذكريات كانت تناديني للعودة. وفي خضم هذا الصراع الداخلي، جاء الاتصال الذي سأظل مدينةً له دائمًا. اتصال من الدكتور محمد دعوري "عميد عمادة شؤون الطلاب"، يقترح عليّ العودة. وكأن هذا النداء جاء في وقته تمامًا… عدت، لكن هذه المرة بنسخةٍ أفضل: أكثر نضجًا، أوضح رؤية، وأعمق شغفًا. (وهنا نصيحتي لكل من يسير في هذا الطريق: إن شعرت يومًا بالإرهاق من النشاط الطلابي، لا تتردد في التوقف قليلًا، أعد ترتيب نفسك، ثم عُد برؤية جديدة… لكن لا تتركه تمامًا.) بدأت العمل فور عودتي؛ ملفات، أنشطة، أندية جديدة، واجتماعات لا تنتهي… وليالٍ طويلة كنا نغادر فيها تلك الغرفة الصغيرة، التي احتوتنا واحتضنت أحلامنا. ثم جاء أحد أكثر المواقف رهبةً وإثارة: اجتماع عاجل لعرض فكرة إدارات النشاط الطلابي أمام رئيس الجامعة. أيام قليلة من التحضير، مزيج من الخوف والترقب، حتى وقفنا هناك… نعرض، نحلم، ونؤمن. كانت لحظات لا تُنسى. ورغم سنوات الطب الطويلة، التي لا أعلم إن كانت ميزة أم عبئًا، واصلت رحلتي في النشاط. شهدت وداع واستقبال الكثير من الأعضاء، إذ أن متوسط بقاء الطالب في النشاط ثلاث سنوات… أما أنا، فقد قضيت ست سنوات كاملة في تلك البيئة. وربما كنت محظوظة بذلك. ومع مرور الوقت، وصلت إلى قناعة: لقد قدّمت ما أستطيع تقديمه، وحان الوقت لأُحوّل هذه التجارب إلى أثرٍ أوسع. بدأت العمل على مبادرات خارجية، وأنشطة جديدة، أشارك فيها ما تعلمته مع من لم تتح لهم نفس الفرص. حتى وصلت إلى مرحلة أصبحت فيها مستشارة في إدارة التخطيط والجودة بالنشاط الطلابي، أنقل خبرتي – وإن بدت بسيطة – لمن يسبقهم الحماس وتسبقهم الخطوات. واليوم، وأنا أكتب هذه السطور، ربما أعيش آخر لحظاتي في هذه الرحلة. تتزاحم الذكريات: مواقف، أشخاص، أساتذة… وكل لحظة صنعت مني نسخةً أفضل. أخيرا، رسالة إلى كل باحثٍ عن الأثر: ما دمتَ تطمح إلى صناعة أثرٍ حقيقي، فلا تنتظر الفرص… بل اصنعها بنفسك، وابحث عنها بإصرار، وبادر دون تردد. ففي لحظةٍ ما، ستأتيك الفرصة التي تستحقها، وستشعر بلذة الإنجاز حين ترى أثر سعيك ينعكس عليك وعلى من حولك؛ على أقرانك وزملائك، لتبدأ دائرتك في الاتساع، ويصل أثرك إلى آفاقٍ أبعد مما تخيّلت. ستواجهك العقبات، وقد تتعثر في الطريق… وهذا جزءٌ لا يتجزأ من الرحلة. لكن تذكّر دائمًا: الاستمرار هو الفارق الحقيقي. استمر… ثم استمر… ثم استمر، لا تتوقف. واجعل تقوى الله حاضرةً في كل ما تقوم به، راقب نيتك وأخلص عملك، وستجد أن الطريق – مهما طال – يقودك إلى مستقبلٍ واسعٍ ومشرق بإذن الله. أحمد الله، وأُنسب إليه الفضل أولًا وأخيرًا، أن جعل في طريقي الجامعي بيئةً استثنائية كهذه؛ بيئة صقلتني، طوّرتني، وأعانتني لأكون نسخة أفضل بكل مرة. مع كل الود، تمت الرحلة.. بحمد الله."
HTTPS
